مقالات - أسئلة العراقيين والفلسطينيين والولايات العربية غير المتحدة - أيهما أهم حرية شكلية أم اضطهاد دائم؟ - تيسير نظمي
مقالات - أسئلة العراقيين والفلسطينيين والولايات العربية غير المتحدة - أيهما أهم حرية شكلية أم اضطهاد دائم؟ - تيسير نظمي في الأمم المتحدة ومجلس الأمن تم إقصاء وتنحية المضمون الإنساني للديمقراطية وحقوق الإنسان، ومنذ ان دخل الاستعمار البريطاني لمصر وأجهض بنفسه بداية التجربة الديمقراطية في مصر في مراحلها الجنينية تم فهم المضمون الاستعماري للديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن الاستعمار البريطاني نفسه نصح بقيام مثل تلك الديمقراطية وهو يؤول للاندحار في الهند التي جهزها بتلك التجربة في مرحلة خروجه من الهند وقضي عليها تماماً في بداية دخوله لمصر، مثل هذه الحقائق التاريخية تكشف تماماً المقصود بالديمقراطية التي تعد أمريكا وبريطانيا بوش، بلير العراق بها للتمكن من تدميره لإعادة بنائه وفق النمط الغربي الاستعماري الذي من المشكوك نجاحه في ظل السيطرة علي مقدراته وثرواته النفطية الهائلة، وقبل ان تحسم الحرب علي العراق راحت مؤشرات البورصة في كل من الدول الذابحة للعراق تدلل علي ان ما يسمي إعادة أعمار ان هي إلا الإجهاز علي العراق ونمط حياته وبنيته الاقتصادية والعسكرية وسيادته الوطنية بل وراحت بعض الدول الأوروبية تتراجع عن مواقفها الأولي التي تخيل بعض الساذجين أنها مواقف مبدئية تشير إلي مضامين حضارية وراءها غير أنها تهافتت علي اقتسام الذبيحة متناسية ان الذين أقدموا علي تلك الحماقة يريدون الذبيحة كلها لهم وحدهم لأن من رفض التصويت ولوح باستخدام الفيتو ضد الذبح والغزو العلني المكشوف يريد حصته مما رفض المشاركة فيه. منذ ان تم سن حق الفيتو للدول الكبار والويل الويل لمن يريد من العراقيين الوقوف علي مقدرات العراق وما سمي بإعادة إعماره سياسياً أو اقتصادياً أو نيل العراق لاستقلاله الاقتصادي والسياسي والثقافي الفعلي والحقيقي، فالطائفية من الممكن الاشتغال علي اعمارها والعرقية من الممكن النفخ فيها تحت مسميات شتي وحتي المفاهيم الساذجة للشمال والجنوب من الممكن تجهيزها لمن لديهم كل الخبرات في إشعال الحروب الأهلية، وأيضاً هنالك عنصر جديد لوضع ديناميتها قسراً وبالقوة الإسرائيلية لشارون المتحفز من دون شك للقيام بدوره عندما يحين الوقت لذلك لينفذ السبي البابلي للفلسطينيين وإغلاق ملف قضيتهم، باختصار فإن المستقبل السياسي للعراق في نظر كل عاقل بات في علم المجهول لكثرة الضخ الإعلامي الزائف عن الحريات الشكلية الموعودة من دون مضامين إنسانية ومن دون مضامين ديمقراطية حقيقية يختارها الشعب في ظروف عادية غير متوفرة ولن تتوفر بعد خروج العراق منهكاً من الحصار والحروب حتي ان تم تنصيب عراقيين للقيام بهذه المهمة استحقاقات المنطقة وأزمات أمريكا الاقتصادية وأزمات المنطقة بما فيها تركيا ونحو ثلاثة عشر مليون كردي يراد للعراق وحده ان يدفع فواتيرها من مستقبل أجياله وأرتال شهدائه ومن ماضيه ومن مستقبله، فهل يتم كل ذلك لأن صدام حسين حاكم ديكتاتوري؟ ثلاثة عقود مرت من حياة العراق بكل قسوة ولم يكتشف الديمقراطيون جداً ان ثمة أنظمة ديكتاتورية في هذه المنطقة؟ ودعونا نعدد كل أنظمة الشرق الأوسط بما فيها إسرائيل ونضع هذه الأنظمة بلا استثناء علي مجسات الديمقراطية المقنعة كي نري أياً منها لم توضع له المساحات والمقاييس سلفاً أو عبر هواتف السفارات الأمريكية التي لا تستدعي حتي زيارة وزير الخارجية الأمريكي لعواصمها لتسليمهم قائمة الطلبات لكل مرحلة وكل ظرف، فالسفير الأمريكي الذي كان كافياً للقيام بهذه المهمة أصبح اليوم مشغولاً كما سوف يصبح في بغداد بتيسير شؤون وعقود الشركات الأمريكية وإعادة الهيكلة وحفلات استقبال الصحفيين والجواسيس والمرتزقة من الكتاب والأحزاب من دون ان يتكلف بإعطائهم بعض الهدايا فهم جاهزون للتلميع والحديث عن محاسن العولمة وروعة القرية الصغيرة وعقولهم وقاماتهم الصغيرة أمام السيد الأكبر المتباكي علي شهدائهم وضحاياهم وحقوق المرأة وحقوق الكلاب والقطط الأجنبية ! هل سيكون الفلاح العراقي قادراً علي فلاحة أرضه وسقايتها وسد اتاتورك له بالمرصاد ان لم يقايض النفط بالماء؟ هل سيكون من حق العراق الاعتراض علي ضخ نفطه من حقوله وعبر الأنابيب إلي حيفا وتل أبيب؟ هل سيكون العراق قادراً علي تربية أبنائه وفق المناهج الدراسية التي يريدها؟ هل سيكون العراق قادراً علي رفض البضائع المصدرة إليه من أمريكا وإسرائيل؟ بل هل سيكون العراق بعد إعادة بنائه حسب الوصفة الأمريكية ان يذكر حلف بغداد في الخمسينيات بسوء؟. وما هو مصير الأكلات الشعبية العراقية؟ هل سيكون العراق قادراً علي زراعة النخيل وتصديره أو التغني به؟ هل سيمنع العراقيون من الترحم علي موتاهم وشهدائهم وأبطالهم؟ وما هو مصير تجربته الثقافية ومثقفيه وشعرائه؟ أسئلة من حق كل عراقي ان يطرحها، من حقه ان يبقيها علي الأقل في الذاكرة كي يري ويمتحن مصداقية من لا مصداقية لهم عبر عصور التاريخ، أسئلة ليس أقلها ان العراق كان علي القائمة منذ أيام الحرب الباردة لأنه أقوي وأخطر حلقة في محور لم يرد المستعمرون له ان يتشكل ليضم سوريا والعراق وإيران وأفغانستان حتي المسافة التي تقربه اقتصادياً وأيديولوجياً مع كوريا الشمالية التي لم تستطع إنجاز وحدتها مع كوريا الجنوبية حتي اليوم برغم وحدة ألمانيا وانهيار جدار برلين. قيل لنا ان هنالك إعادة رسم للخارطة فلماذا من حق دول كبري ان ترسم باستمرار الخرائط للشعوب خارج إرادة تلك الشعوب؟ ألم يرد صدام حسين ان يعيد رسم خارطة العراق بإضافة المحافظة رقم 19 لبلاده؟ ولكن بعد استبدال الأردنيين والفلسطينيين بالأمريكيين ومختلف الجنسيات الآسيوية والأوروبية، فهل تطورت ثقافة وديمقراطية وحضارة كل من ساهمت أمريكا في تحريرهم؟ أم أغرقتهم بالمديونية من رصيد الأجيال المقبلة؟ بل هي تحسن مستوي تعليم الإنكليزية في تلك البلدان التي أرادت بناء ذاتها وفق معطيات محيطها وقواسمها المشتركة مع جيرانها؟ أسئلة تطال كل نواحي حياة شعوب المنطقة الاقتصادية منها والثقافية والدينية منها والطائفية فالمستعمرون في حلتهم الجديدة يكرسون الديكتاتورية في بلد والطائفية في بلد آخر وينحازون لديانة بعينها في بلد ثالث ويكرسون التخلف في بلد رابع ويعدون بعدم قيام دولة لشعب في بلد خامس ويتحدثون عن قيام كيان أو الاعتراف بحقوق شعب في بلد سادس ما يزال محتلاً منذ نصف قرن، وفي كل هذه الممارسات المتناقضة لا يهمهم سوي مصالحهم الاستراتيجية والعليا ألا وهي النفط والقمع والدمار والبناء والإبقاء أطول فترة ممكنة علي التخلف والتبعية الاقتصادية. باختصار يريدون في الشرق حيوانات استهلاكية لا هوية لها وأحزمة فقر تشبه أحزمة الفقر في المكسيك ووضعوا بينهم وبينه أسلاكاً شائكة لمنع المتسللين إلي الشمال بحثاً عن فرصة عمل أو لقمة عيش ومع ذلك يتحدثون عن منافع العولمة والقرية الصغيرة التي تم استثناء المكسيك منها وكوبا الجارة لأن نظامها اشتراكي ولا تستورد بضاعتهم أو توغل في تجويع شعوبها، فإذا كان حزام الفقر يقدر في المكسيك باثني عشر مليوناً ويقال لهم في اللافتات (أشرب كوكا كولا) فماذا سيكون عليه الحال في العراق؟ هل سيقال لهم كما الآن : اشربوا ماء البحر؟ بعد ان شرب السوفيات المقلب، من حق من تبقي من أصدقائهم ان يكون قلقاً علي إعادة رسم خرائطه وتحديد نسله والتحكم بمقدار حريته والتساؤل عن مستقبل عمله في الأرض التي تسمي وطنه وموطنه تماماً مثلما هو من حق الأمريكي ان يدعي ان الولايات المتحدة كلها موطنة بما فيها الولايات العربية غير المتحدة.
AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1503 --- Date 13/5/2003
جريدة (الزمان) --- العدد 1503 --- التاريخ 2003 - 5 - 13